الشيخ محمد رشيد رضا

163

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

حبس كل منا واحد ، فلماذا كان كرامة لواحد وانتقاما من الآخر ؟ ولا يخفى على المؤمن العارف أن هذا الاعتقاد يعارض التوحيد الخالص ولذلك كان من المقاصد في الآية والحكم في سببها تقرير التوحيد ببيان أن الأنبياء والرسل كسائر البشر في الخضوع لسنن اللّه ونظام خلقه قال الأستاذ الامام في بيان مزايا الاسلام من رسالة التوحيد ما نصه : « ثم أماطأى الاسلام ) اللثام عن حال الانسان في النعم التي يتمتع بها الأشخاص أو الأمم ، والمصائب التي يرزؤون بها ، ففصل بين الأمرين فصلا لا مجال معه للخلط بينهما . فأما النعم التي يمتع اللّه بها بعض الأشخاص في هذه الحياة والرزايا التي يرزأ بها في نفسه فكثير منها كالئروة والجاه والقوة والبنين أو الفقر والضعة والضعف والفقد ربما لا يكون كاسبها أو جالبها ما عليه الشخص في سيرته من استقامة وعوج أو طاعة وعصيان ، وكثيرا ما أمهل اللّه بعض الطغاة البغاة أو الفجرة الفسقة وترك لهم متاع الحياة الدنيا إنظارا لهم حتى يتلقاهم ما أعد لهم من العذاب المقيم في الحياة الأخرى وكثيرا ما امتحن اللّه الصالحين من عباده ، وأثنى عليهم في الاستسلام لحكمه وهم الذين إذا أصابتهم مصيبة عبروا عن اخلاصهم في التسليم بقولهم « 2 : 156 إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ » فلا غضب زيد ولا رضا عمرو ولا اخلاص سريرة ولا فساد عمل مما يكون له دخل في هذه الرزايا ولا في تلك النعم الخاصة ، اللهم إلا فيما ارتباطه بالعمل ارتباط المسبب بالسبب على جارى العادة كارتباط الفقر بالاسراف ، والذل بالجبن وضياع السلطان بالظلم ، وكارتباط الثروة بحسن التدبير في الأغلب ، والمكانة عند الناس بالسعي في مصالحهم على الأكثر ، وما يشبه ذلك مما هو مبين في علم آخر . « أما شأن الأمم فليس على ذلك فان الروح الذي أودعه اللّه جميع شرائعه الآلهية من تصحيح الفكر وتسديد النظر وتأديب الأهواء وتحديد مطامح الشهوات والدخول إلى كل أمر من بابه ، وطلب كل رغيبة من أسبابها ؛ وحفظ الأمانة ، واستشعار الأخوة ، والتعاون على البر ، والتناصح في الخير والشر ، وغير ذلك من أصول الفضائل - ذلك الروح هو مصدر حياة الأمم ومشرق سعادتها في هذه الدنيا قبل الآخرة « 3 : 145 وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها » ولن يسلب اللّه عنها نعمته ما دام هذا الروح